الشيخ عبد الغني النابلسي
259
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية ) هذا فص الحكمة الزكرياوية ، ذكره بعد حكمة يحيى عليه السلام لأنه أبوه وقدم ذكر الابن ، لأنه هبة له من اللّه تعالى والهبة مقدمة اعتناء بشأن الواهب وشكر النعمة التي هي من أعظم المواهب . قال تعالى : وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) [ الأنبياء : 89 - 91 ] . فص حكمة مالكية ، أي منسوبة إلى المالك الحق سبحانه في كلمة زكرياوية . إنما اختصت حكمة زكريا عليه السلام بكونها مالكية لأنها مشتملة من أوّلها إلى آخرها على ذكر الرحمة الإلهية العامة والخاصة ، لأنه عليه السلام كما قال تعالى عنه : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) [ مريم : 2 ] الآية . والرحمة لها الملك في المرحومين بها إيجادا وإمدادا فهي مالكة لذواتهم وصفاتهم لأن المالك له التصرف دون غيره ولا متصرف إلا الرحمة فلها الملك في كل شيء والاستيلاء على كل شيء . * * * اعلم أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ، وأنّ وجود الغضب من رحمة اللّه بالغضب . فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرّحمة إليه نسبة الغضب إليه . ولمّا كان لكلّ عين وجود يطلبه من اللّه ، لذلك عمّت رحمته كلّ عين . فإنّه برحمته الّتي رحمه بها قبل رغبته في وجود عينه ، فأوجدها . فلذلك قلنا إنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما . والأسماء الإلهيّة من الأشياء ؛ وهي ترجع إلى عين واحدة . فأوّل ما وسعت رحمة اللّه شيئية تلك العين الموجدة للرّحمة بالرّحمة ، فأوّل شيء وسعته